‏إظهار الرسائل ذات التسميات القصة القصيرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات القصة القصيرة. إظهار كافة الرسائل

08‏/10‏/2016

مولانا الشخص المعاق والطريق غير المسلوك

مولانا الشخص المعاق والطريق غير المسلوك

بقلم: محمد مكاوي


اليوم هو يوم القيامة، "والليلة هي ليلتو"؛ كما يقول أهل قريتي في كل  عيد عاشوراء لتردد باقي الفتيات الأخريات، وهن ينقرن بأناملهن على الدفوف: "الليلة يموت العدو". ركبت كرسي المتحرك، و التزمت كباقي المواطنين أن أودي واجبي الوطني .. المشاركة في الانتخابات، واختيار مَنْ يمثلني في المؤسسات التشريعية، ولِم لا وكل دروبي مزينة بألوان الأحزاب، وكل المرشحين طرقوا بابي؛ منهم من وعدني بالشغل، ومنهم من وعدني بكرسي جديد، ومنهم من التزم بالتنازل عن راتبه من أجل الصالح العام، ومنهم من أراد إعادة الكَرة مثنى وثلاث ورباع ووووو... إلخ؟
وحتى أعوان السلطة ألحّوا عليّ للحضور حين مَدّوني بتوصيل يحمل رقمي ورقم مكتب التصويت. توكلت على الله، وامتطيت كرسي المتحرك، أجرجر عجلاته بين دروب تمنيت، منذ أكثر من 40 سنة أن يتم إصلاحها.
انطلقت يوما كاملا قبل الانتخابات. ودعت أسرتي، وحملت معي بطاقتي الوطنية وبعض الزاد، وسافرت نحو مكتب التصويت الذي يوجد في مدرسة قديمة في أحد الأزقة القريبة من حينا، وأنا كُلّي أملٌ في أن أصل في الوقت المحدد.
في درْج باب دارنا، زلّت عجلة الكرسي المتحرك؛ فارتطم جسدي بالأرض، وهمّ المرشحون - لأول مرة - بمساعدتي كي أستوي. نفضوا الغبار عن ظهري، ووعدوني جميعا؛ كما فعل السابقون منهم، بأن يُصْلحوا المداخل والمخارج، وأكدوا لي أنهم إذا وصلوا سأصل أنا أيضا...
قلت في غضب، ويدي تدوس على مقود الكرسي، وأحركه جيئة وذهابا: لقد وصلتم منذ القديم، وما زلت أنا والدرج في مكاننا!
قالوا بأدب: هذا عهد جديد.. عهد دستور 2011، الذي يحارب التمييز على أساس الإعاقة.. عهد القوانين والإنصاف وحقوق الإنسان، وبدأوا يَعْرضون عليّ القوانين والتشريعات الدولية والوطنية، وذكّروني بالمبادئ الثمانية للاتفاقية الدولية للأشخاص ذوي الإعاقة، واستعان بعضهم بخطب أشباه الزعماء، الأموات منهم والأحياء، وقالوا: انظر، يا مولانا الشخص المعاق، إلى برامجنا، وستعرف أنّ الآتي أسوأ، عفواً: أحسن من الآن.
دفعت العجلة ببطء، واندفعت بصوت أزيزها في أذني، وساروا يودعونني، وكل واحد منهم مدّني بصور الشياطين الملونة، والكلام الذي يشبه العزيمة الشَّمْهارُوشِيّة"!...
في الزقاق الأول أوحالٌ جفت منذ شتاء 2000، وبقيت آثار أظلاف حمير مرّت من هنا، وفيها منحدر خطيرٌ على الكرسي المتحرك. تعطلت فرامل كرسيي فجأة؛ فاندفع الكرسي المتحرك بسرعة دون إرادتي. صارت حركاتي على الكرسي كالراكب على بغل.. هبوط وصعود، ثم هبوط وصعود، فارتعاد قوي وكأنني مُمْسك بتيار كهربائي.
في نهاية منحدر الزقاق فتحة وادٍ حارّ سُرق غطاؤها الحديدي. وجدت نفسي أسبح وسط مياهها العادمة وعجلات كرسي المتحرك مشتتة.
للمرة الثانية يسرع أناس يرتدون لباس ألوان الأحزاب، وكلهم يشتمون ويلعنون الحكومات السابقة، وينبهونني بأنها هي التي أهملت هذا الزقاق، وأن الأمل معقود عليهم.
ارتطمتْ جبهتي بفتحة "القادوس"؛ فسال كثير من الدماء على الأرض، وتمزق سروالي، وتشتت مسامير كرسيّ المتحرك وعجلاته.
بتّ الليلة أمام بقايا كرسيّ الجميل، الذي أصلحته عشراتِ المرّات من عرق جبيني... ورغم أن بعض الأحزاب عرضت علي كراسي جلدية وثيرة، أو النقل عبر سيارة فارهة، أو عبر الطائرة، إلى مكتب التصويت إن شئت، فقد أبيت وألحَحْت أن أشارك العرس الوطني، وأن أدلي بصوتي الذي لن أدعه لأحد.
ولأن المصلحة الخاصة في صوتي، لا في شخصي، فقد شُكّلت حكومة مصغرة للطوارئ في الدرب، شهدت تحالفا غريبا بين الذئب والنعجة والكلب؛ من أجل إصلاح الحفر وكرسيي المنكسر،
ضمّدت جروحي، وشَدَدْتُ يدي إلى كتفي، (ثم) نُفِخت عجلات كرسي، التي رَفَضْت تجديدها منذ زمان، حتى لا يقال إنني انتهازي، وكَويت مساميره، وتناولت بعض الطعام من زادي، وواصلت السير في اتجاه الزقاق الثاني بكرسيّ الحبيب، الذي ازداد صوت أزيزه أكثر من ذي قبْلُ.
غمام كثيف في نهاية الزقاق الثاني يحجب اسم المدرسة التي سأدلي فيها بصوتي،
الوقت يشير إلى الخامسة مساءً، وأنا أقترب من المدرسة...
قلت في نفسي: لم يتبقَّ لي إلا ساعتان، وأظهر لهم بأننا - نحن المعاقين - لنا الحق الكامل في الاختيار  والتصويت والمواطنة والكرامة.. لنا الكامل الحق في جميع مؤسسات بلدنا؛ من الصحة إلى التعليم إلى السكن إلى الشغل.. نحنُ المعاقين نستطيع الوصول والبناء، وإننا نحن المعاقين لسنا عالة على أحد.ّ..
أمام باب المدرسة، يقف عددٌ هائل من الناس.. ممثلو السلطة، وممثلو الأحزاب، و ثلة من المواطنين .. كلهم ينظرون إليّ بدهشة، وهم يضعون أياديهم على آذانهم تفاديا لسماع صوت أزيز عجلات الكرسي المتحرك الذي لا يطاق، وكأني قادم من كوكب آخر!.. جسمي ملطخ بالوحل، ويدي اليمنى مربوطة إلى عنقي، و ضماد ملفوف على وجهي ورأسي، وروائح كريهة تنبعث من ملابسي المغمورة بالمياه العادمة...
استوقفني أحدهم في باب المدرسة:
-         إلى أين...؟
-         أريد أن أصوّت.
-         هل أنت بخير؟ .. ما بك؟
 لملمت أنفاسي، وقلت في ضيق: وأنا في طريقي إلى هنا "مدرسة الأمل"، ارتطم كرسيّ المتحركُ بالعديد من الحُفر والعقبات والعقليات والسلوكات المُعِيقة للوصول، ثم مددت له البطاقة الوطنية، فابتسم حتى بانت أسنانه المهترئة، وقال، وهو يعيدها إليّ:
      - اسمك في الطابق الثالث، المكتب رقم 60، وليس أمامك إلا الموت أو الصبر  أو الانصراف.
ازداد غيظي، وبدأت أزبد وأرعد؛ فاندفع جسدي ليرتطم مرة أخرى بالأرض ككيس مملوء عن آخره بالرمل، وتفككت كل أسلاك الكرسي المتحرك من جديد؛ فاندفعت أجَرْجِر جسدي أمام ناظرهم على الأدراج، غير آبهٍ بأسلاك الكرسي، ملحّاً على الوصول...
أخبركم أنه بالأمس أغلقت مكاتب التصويت، وأعلنت النتائج، وعُيّنت الحكومة، ورَسمت تقارير الخونة صورا وردية عن كثافة المشاركة، وأنا ما زلت في طريقي الطويل نحو  المكتب اللعين!...

24‏/03‏/2016

قصة قصيرة الراتب

الراتب

تأليف أمينة زوجي*


منذ ثلاثة أيام، وعباس لا هم له سوى إعداد قائمة بلائحة المشتريات، التي ينوي اقتناءها، حالما يتسلم راتبه لهذا الشهر.
زوجته ثريا كالعادة، لها مطالب عديدة، تريد شراء بعض الأواني بدل تلك التي راحت ضحية شغب أبناء أختها الاشقياء، عندما حولوا البيت في آخر زيارة لهم، إلى حضيرة للعب والعراك، كما ترغب بشدة في إستبدال بعض قطع الأثاث المهترئة، التي صارت تشهد على عرس الأجداد كما كانت تصفها في لحظات النرفزة.
وكان حسام ذو السبع سنوات، يحلم بالحصول على دراجة زرقاء، من نوع "فيتتي"، مثل تلك التي اشتراها "عمر" إبن الجيران، منذ أسبوعين.
أما عباس فقد كان يعلم علم اليقين، أن الراتب لا يستطيع تحمل أعباء كل تلك المطالب، بالإضافة إلى واجبات الكراء، ونفقات الماء والكهرباء، ومستلزمات الأكل والشرب، ودواير الزمان...، لهذا قرر إقامة اجتماع طارئ مع الاسرة الصغيرة، للتفاوض في أمر المصاريف.
بيد أن كل طرف، كان متشبث برأيه بشكل متعصب، لا يقبل التنازل، بيمنا وقف الاب بينهما حائر، يفكر في الاشياء التي يمكن تأجيلها، لصالح الاشياء التي يجب إعطاءها الأولوية، غير أن النقاش لم يؤد إلى أي نتيجة إيجابية.
قام عباس غاضبا، ليعلن عن فشل الاجتماع، وعليه فإن الامر لم يعد يحتمل النقاش والتفاوض، ومن ثمة فالقرار الاخير سيعود إليه وحده.
حاول الولد الصغير تغير مجرى الامور لصالحه، مستعملا  أسلحته الطفولية من قبيل البكاء والصراخ، فأصبحت ثريا تلعب دور الوسيط بين الزوج العنيد والابن الثائر، بدون فائدة.
قرر الاب باعتباره المسؤول  الوحيد عن تدبير وسائل العبور الي بر الأمان، تقرير مسار الاسرة وتحديد أولوياتها، فعزم على تأجيل شراء الدراجة على أساس أن يتم إقتناؤها في وقت لاحق حينما تكون الفرص متاحة، أمام قطع الاثاث فهو مطلب مرفوض كليا، وغير وارد التحقيق هذه السنة،  في حين أعلن أنه  لا ضير في اقتناء بعض الاواني الضرورية فقط.
بسبب هذا القرار الذي إعتبره باقي الأطراف مجحفا في حقهم، دامت العلاقات الداخلية متوترة لفترة من الزمن، وما هي إلا أيام حتى نسي الطفل الأمر كليا، وعادت إبتسامته إلى سابق عهدها تزدان بها جميع أرجاء البيت، أما الزوجة فقد حاولت التظاهر بالنسيان، على أمل أن تجديد مطالبها عندما تصبح الفرصة سانحة.
جاء اليوم الموعود، 22 من نيسان، كان يتميز بجو دافئ ورائق، بعث في عباس نشاط غير مألوف، فلم يتذمر من رذاءة وجبة الفطور، ولم ينتبه إلى كون طعم الشاي يفتقر إلى نكهة  'النعناع' الذي يعتبره أساسيا، إرتدى معطفه "الطرواكار" المفضل، سرح شعره أمام المرآة، فلم يعلق كالعادة على بروز بعض الخصلات البيضاء، ثم خرج من المنزل مسرعا في إتجاه مقر عمله.
عباس إنسان بسيط، طموحاته لا تتعدى الوظيفة التي يشغلها منذ عشر سنوات، ومبدأه في الحياة الستر والعيش بسلام إلى غاية أخر يوم في الشهر، في حين كانت الاستدانة بالنسبة له، أبغض الطرق إلى مواجهة المشكلات، فكان يرفض أخذ سلفة من أي أحد مهما بلغت ضائقته.
إلا أن عباس، كان من النوع الذي يرضى بأقل الايمان، فلم تكن له أهداف الترقي أو التجديد في أساليب العمل، بل لم يكن يمارس عمله بشكل حماسي، ولا يحس بمتعة هذا العمل، إلا يوم تصرف الأجور.
عينيه لاتنفك تتفحص ساعة يده، متسائلا عن  سبب تباطئ الزمن فجأة، فكان يخيل إليه أن عقارب الساعة تتقاعس عن التقدم نكاية به.
نادى المحاسب في الموظفين ليستلموا رواتبهم، لو يعلم هذا المحاسب حجم المحبة التي يكنها له عباس وجميع العمال والمستخدمين في الادارة، فهو مفتاح السعد والخير، يهل عليهم بنوره في 22 من كل شهر، ليسلمهم رواتبهم، بعدما تكون جيوب معظمهم قد فرغت وصاروا على الحديدة.
تسلم عباس راتبه كاملا، من دون أي إقتطاعات، فهو يتجنب كل ما يمكن أن يؤدي إلى بتر سنتيم واحد من راتبه، على غرار التغيبات غير المبررة، إرتكاب الاخطاء المهنية، عصيان الاوامر، والمشاركة في الاضرابات... لم يكن محبوبا في عمله، وكان جل زملائه يعتبرونه أنسانا سلبيا، ليس له موقف واضح في الحياة، لهذا لم يكن له في العمل أصدقاء حقيقيون.
إنتهى الدوام، فغادر عباس على عجلة لتبشير ثريا، غير أنه قبل عودته للمنزل  قرر أن يشتري بعض الأشياء للاكل، ليبدل روتين أكل البيت من جهة، وليفاجئ زوجته وطفلهما من جهة ثانية، في محاولة لإرضائهما وتطيب خاطرهما بسبب قمع مطالبهما.
دخل محلا يبيع جميع أصناف المأكولات التقليدية والعصرية على حد سواء، إحتار في الاختيار، فلم يكن متعود على التردد على مثل هذه الاماكن إلا نادرا، لم يصل دوره إلا بمشقة قصوى، بسبب الازدحام الذي يعم المكان، أسر لنفسه حينها:" يبدو أن كل هؤلاء حصلوا على رواتبهم اليوم".
أعتقد المسكين أن هذا الازدحام غير معتاد، وأن جل الناس لا يترددون على مثل هذه المحلات إلا في المناسبات الخاصة.
وبعد طول إنتظار وترقب، تمكن عباس أخيرا من الحصول على ما يريد، كان قد نال منه التعب، من شدة الحر الناتج عن الازدحام وعرق الزبائن، وأبخرة المأكولات …
في طريق العودة، قرر أن يستقل سيارة أجرة، على الرغم من بعد المسافة وإرتفاع التكلفة، قرر خوض التجربة، فليست كل الأيام تحمل رقمين جميلين مثل"22"، والوصول إلى البيت على جناح السرعة مغري في يوم كهذا، حين يكون "البزطام" منتفخ، والجيب ممتلاء.
أخذته إستيهاماته إلى عالم لذيذ، لم يستيقظ منه سوى على وقع الكارثة، حاول إخراج محفظة جيبه، فلم يجدها... إنها مفقودة...إصفر لون بشرته، أحس بالغثيان من هول الصدمة، مجرد التفكير بالموضوع يربكه، هل سقطت في لحظة غفلة، هل نسيها في مكان ما، لا لقد تعرض لعملية نشل في غمرة الازدحام، ضاعت المحفظة وطار الراتب.


صيف 2009 


*طالبة باحثة بسلك الماستر تخصص تربية وإدماج الشباب والاطفال في وضعية صعبة بكلية علوم التربية


للتواصل عبر الفايسبوك      https://www.facebook.com/amina.zaouji

عبر البريد الالكتروني: a.zaouji@gmail.com

09‏/03‏/2016

قصة قصيرة إيقاعات الليل

إيقاعات الليل

تأليف أمينة زوجي*

أغلق سعد النوافذ وفتح المذياع، بيد أن صدى الزغاريد وتهليل النسوة يخترقان طبلة أذنيه، ينفذان إلى أعماق دماغه المشوش، يحس بآلام جسيمة في رأسه تنبش ذكريات تائهة، لا القهوة ولا الأقراص نفعت في التخفيف من وتيرتها.
كان وحيدا بين جدران غرفته، أمه، أخته الصغرى وجميع أهل الحي يحتفلون الليلة بزفاف نجاة ابنة الجيران، ذبح والدها عجلان سمينان، وأحضر العريس الاطنان من أكلة "البسطيلة" المحشوة باللوز والحمام من أرقى المحلات، أغدق عليها أجود الهدايا من الأثواب والحلي، وجاء بأشهر الفرق الشعبية لأحياء الزفاف، الذي تحول إلى مهرجان صيفي يستقطب المولعين بالرقص و "أصحاب الحال".
يساءل سعد نفسه، إذا ما كنت نجاة تعاقر كؤوس السعادة بين إيقاعات الموسيقى وتمايل الفتيات؟ تراها تهمس بدلال في أذن عريسها وتوزع الابتسامات تحية للضيوف؟ تراها مغتبطة بليلتها؟ أم لعلها حزينة منكسرة؟ لعلها تترقب معجزة من السماء تحول بينها وبين هذا الزفاف الذي لم تحلم به يوما؟
تارة تعتلي قسمات وجهه ملامح البؤس والحسرة، وتارة يكشف عن ابتسامة لا معنى لها، لم يعهد في نفسه هذا التناقض الكبير من قبل، ربما لم يتوقع أن يتجرع مرارة الندم وخيبة الضياع، لم يجرب أن يحصد زرع يداه، ويجني ثماره الفاسدة، بعد أن ظن نفسه المنتصر.
الإيقاعات الموسيقية تتعالى وألام رأسه تشتد، ينتفض في مكانه، يلتفت يمنة ويسارا كالمسعور، هل يهرع إلى نجاة ليجثو على ركبتيه أمامها ذليلا؟ هل يتسلل من بين الجموع ليخطفها كالحكايات؟هل يقتل العريس ويطرد الضيوف؟ أتراها تسامحه إذا ما رأت ندمه؟
إنه الجنون لا محال، كيف غاص به التفكير إلى هذه العمق، وقد كانت قبل أيام بين يديه كطائر محتضر، تتوسل إليه أن لا يجهز على أحلامها، أن لا يحاكمها بجريرة الحب، ذرفت الدموع رذاذا ومدرار، شهقت باسمه في السر والعلانية، الجميع كان على اطلاع بالحب الذي يجمعهما، المنتزهات، الشوارع والمقاهي بالمدينة تشهد هي الأخرى بما كان بينهما، لكنه رفض أن يربط اسمه باسمها، رفضها أن تكون شريكة لحياته وأما لأولاده، لان المرأة في عرفه تُغزى ولا تَغزي، تحلم في صمت ولا تجتهد في الإفصاح عن ما يخالج خواطرها، ذنبها أنها كانت في الحب متمردة، كانت جريئة، تبادر إليه بشغف، تملأ الدنيا هياما وحبورا عند لقائه، وترفض أن تكبت لهفتها إليه في قلبها.

تشتد آلام رأس سعد أكثر فأكثر، يندفع اتجاه النافذة، يفتحها فتبتلعه الإيقاعات، يحاول الصراخ فتخنق الصرخة في حنجرته، العروس بفستانها الأبيض في السيارة وإلى جوارها عريسها يودعان الأهل، إنها تلوح بيديها وكأنها تنفض الماضي قبل الرحيل، يصرخ سعد مرة ومرات، فتذوب صرخاته بين الإيقاعات، لا أحد يلتفت، لا أحد يستجيب، السيارة تبتعد، ونجاة تبتعد، تتلاشى في سراب ظلمة الليل، كأنها لم تكن.

*طالبة باحثة بسلك الماستر تخصص تربية وإدماج الشباب والاطفال في وضعية صعبة بكلية علوم التربية

ملحوظة: تم نشر هذه القصة القصيرة بمجلة ديوان العرب بتاريخ السبت 27 أغسطس (غشت) 2011. 

24‏/12‏/2015

قصة قصيرة القيام من جديد

القيام من جديد
بقلم أمينة زوجي*

سار حسان في ذلك الليل الممطوط الذي لا يريد أن ينجلي بكوابيسه المفزعة، بلا هدف أو غاية مطأطئ الهامة، شارد الذهن والدياجي تكتنف جسده الهزيل وتخفي ملامحه المتجهمة، لقد انتهى كل شئ بالنسبة له في هذه الدنيا وضاع وسط الزحام.
لم يعد ذلك الأمل الوردي الساطع، يحلق في سماء روحه البريئة أو يغمرها بالسعادة والنشوة كما السابق، لقد كان ينسج بخياله الخصب السرمدي، عالما عذبا من المشاعر والأحاسيس الفياضة، منصبا حبيبته سلمى التي اعتبرها منذ عهد ليس بالقصير شطر روحه الأخر، ورفيقة دربه امبراطوة على عرشه، قبل أن تتكسر أحلامه وأمانيه، فوق صخرة الواقع المرير، ويصدم بمنظر فتاته التي كانت تعاهده وتقسم له بكل ما هو مقدس على أنه لا توجد قوة في هذا الكون تقوى على إبعادها عنه أو صرفها عن حبه غير الموت، في ديباجة العرس تزف إلى غيره، وعلامات البهجة والفرح واضحة على محياها.
فوقف العاشق المخدوع مشدوها حيال هذا المنظر الرهيب، الذي قوض أحلامه وأماله، وجعله يحقد على كل من في الأرض، أهذا هو جزاء الحب و الوفاء؟ لقد تحول إلى إنسان نكرة، حبيس داره وكتبه وخواطره الرومانسية، يرثي أيامه وأحلامه، أي ذنب إرتكب حتى يكون مصيره على هذا الحال، لماذا يصر الناس على تعذيبه وعدم رحمتهم له، ولو لمرة واحد على الإطلاق، كلهم يحقرونه، يصفونه بأرذل النعوت، وينظرون إليه نظرة ازدراء واستهزاء. 
كان يظن بأنه وجد الحب والحياة، كانت أمله ومنبره، كان يظن أنه بعد طول عناء، وجد من تقدره وتنسى أصله وفصله، وماضيه الذي لا يد له فيه، بيد أنه أكتشف الحقيقة المرة، أكتشف خداع محبوبته وسذاجته الحمقاء، عرف بأن لا مكان له بين هؤلاء الناس الذين تسري في عروقه دماؤهم، نمى وترعرع بينهم، أكل من خبزهم وشرب ماءهم، كان على إستعداد لأن يموت فداءا لأرواحهم، وصونا لكرامتهم، في الوقت الذي كانوا يعتبرونه وصمة العار التي تسمهم، إحتضنوه على مضض، فجعلوه لعبتهم، يتسلون بها أثناء فراغهم، يسلطون سخطهم عليه لحظة غيظهم.
عاد إلى غرفته المنبوذة فوق السطح، يتجرر أذيال الهوان، ليودع جدرانها المتصدعة، فلطالما شهدت على خيبة طموحاته وأماله.
لم تكن له وجهة معلومة بعد، لكنه حسم أمره على الرحيل بحث عن هوية وعن قدر جديدين.
كان يجمع أغراضه البسيطة المتناثرة في جميع أرجاء الغرفة، فوجد رسائل الحب والوله، تلك التي كان قد تسلمها كحجج دامغة على الوفاء، وكان يقرأها بقلبه الولهان لا بعقله الصاحي، يحفظ الكلمات ويرددها بكل خشوع واحترام، كما تردد الآيات والترانيم، فما كان يميز بين الكلمات النابعة من الفؤاد، وتلك المصطنعة، المنقولة حرفا من كتب الرسائل الجاهزة، التي تباع في المكتبات، في الاكشاك، وعلى الارصفة بأثمنة بخسة، الآن فقط أدرك بأن كل ما كانت تمنحه إياه من العطف والحنان، لم يكن سوى دغدغة مشاعر زائفة، ولحظات عشق من مسرحية مبتذلة إستمتعت بها ظرفا من الزمان.
أحرق الاوراق، وتلألأت عينيه العسليتين عندما إنعكست عليهما إضاءة ألسنة اللهب، أصر أن لا يغادر إلا بعد أن يرى الرماد يتناثر في الهواء لا حول له ولا قوة، وكان غرضه التخلص من معالم الخيبة وأثار جرائم نسبت له في غفلة من أمره، فيكون لرحلته في سبيل البحث عن قدر جديد معنى. 
حمل حقيبته، وغادر دنيا الأوهام، باحثا عن بداية جديدة في مكان ما، عازما على طي صفحة الماضي، ليواصل سيره إلى الأمام، أما الجراح والآلام فالزمن كفيل بأن يعالجها ويشفيها، ويجعلها جزءا من الذكريات والتجارب، فتكون له عون على سبر أغوار الحياة، فإذا تعثر سهل عليه القيام من جديد.


كتبت القصة القيام من جديد سنة 2004 بجماعة المعازيز، ونشرت في مجلة ديوان العرب في 25 يناير 2014



*طالبة بماستر تربية وإدماج الشباب والاطفال في وضعية صعبة بكلية علوم التربية



06‏/12‏/2015

قصة قصيرة النار تأكلني

النار تأكلني
 بقلم أمينة زوجي *


النار تأكلني كل يوم،

وبين دهاليز البلدية أقضي أيامي ذهابا وإيابا، أتأبط أوراقي وأتردد بين المكاتب أحمل آمال عمري الفان، تبتلعني متاهات تخصصات مبهمة، تتقادفني الابواب ككرة لهب، وينتهي بي المطاف بين يدي موظف متأنق لا يعي معاناتي، يجلس على كرسيه المريح كأسد متغطرس، ينهرني قبل أن تنبس شفتاي بكلمة، يتفحصني باحتقار، يحاصرني بعينيه المغرورتين بإشمئزاز، تخترقان ثوبي الرث فلا تجدان سوى بقايا جسد هزيل أنهكته نوائب الدهر رغم صباه، وحين ينتبه إلى حذائي الرقيع، وحقيبة يدي البالية تعتلي وجهه الممتلئ أعراض الغثيان.
أنكمش أمام هجمات عينية، أتضاءل أمامه كأنه الاله، فتهون أيامي رخيصة، لكن شيء ما بداخلي ينتفض، عرق حار يتصبب من جبيني، وحمرة كالدماء تجتاحني من عمق قهري، فلا أجد لي من ملاذ غير إستحضار عيون أطفالي البريئة مستغيثة... أحاول تجاهل الامر والتركيز على هدفي، أستجمع كلماتي المبعثرة فأنا صاحبة حق لا متطفلة، فأنا مواطنة ولي حقوق، أستفسر عن مطلبي بجرأة ، فيحاصرني صوت موظف آخر بنبرته الحادة يأتيني من عمق سحيق كرصاصة، يأمرني بالعودة في وقت لاحق.
"لم تتم دراسة ملفك بعد"
أعود غدا، أحمل أمالي وأحلام أطفالي بجدران أربع، وباب من حديد يحمينا من تقلب الفصول و تجهم أقرباء صارت أجسادنا المكدسة حملا ثقيلا عليهم .
أعود بعد أسبوع،
بعد أشهر،
ويبدو أن الايام صارت سنوات تجري، تعدوا بدون أي تغيير، فالموظف المتأنق مازال يجلس على كرسيه المريح بوجهه المتورد الممتلئ، والأخر مازال يأمرني بالعودة في وقت لاحق بلهجته الجافة، وأنا مازلت بجسدي الهزيل أتردد بين المكاتب أتأبط أوراقي، أنتعل حذائي الرقيع، ولا أهتم بمنظر حقيبة يدي البالية، لا يهمني إن صارت ألوان ثوبي مجهولة.
هذه المرة أعود وقد استنفدت رصيد صبري، سئمت نظرات الاحتقار والازدراء، وماعدت أطيق عبارات التأجيل، أعود وأحلامي تلاحقني، فأجدها قد تبخرت من دون علمي، يخاطبني المتأنق محاولا إخفاء إبتسامته الساخرة "آسف لقد تم استبعاد ملفك لأنه لا يستوفي جميع الشروط"
"مستحيل، أية شروط يمكن أن لا يستوفيها الملف وقد حرصت على إعداده بعناية".
"ينقصك زوج، المستفيدين بالنسبة لنا هم عبارة عن أسر مكتملة، وأنت مجرد أم عزباء".
الدنيا تدور من حولي بدون هدى، أشعر بتعرق شديد، وبرودة في ساقاي، يتوقف ذهني عن التفكير للحظات من هول الخبر، تكاد أنفاسي تختنق داخل صدري، أحاول أن أعترض، أن أصرخ بكل ما في من غضب فتخرج كلماتي مرتجفة، تتجمع دموعي في محاجرها، تنهمر مدرارا على جفوني فتحرق من فرط أجاجها مقلتي، وبين ضلوعي تستعر نار تتلضى، يتوهج قلبي كشمس تنتحر، فأجدني أشتعل كجمر محموم، النار تحاصرني كنظرات المتأنق، تخترق ثوبي الرث لتنفذ إلى بقايا جسدي الهزيل، تلتهم أحشائي بنهم شديد، أستنجد بحقوقي التي خلتها ستنصفني فلا تجيب، أستنجد بقطرة غيث من السماء فلا تستجيب، أحتضر وعيون أطفالي ترقبني، سأموت وغدا أصير رماد تشيعه أنباء في الجرائد والصحف.

إلى روح فدوى العروي و كل من احترق بنار الظلم


*طالبة باحثة بسلك الماستر تخصص تربية وإدماج الشباب والاطفال في وضعية صعبة بكلية علوم التربية


ملحوظة: تم نشر هذه القصة القصيرة بمجلة ديوان العرب بتاريخ الأحد 3 نيسان (أبريل) 2011.  
جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات نافعة 2015 ©