03‏/03‏/2017

القميص ذو الكم الواحد لمحمد المكاوي

القميص ذو الكم الواحد لمحمد المكاوي
مطلب من مطالب الأطفال في وضعية صعبة

إعداد أمينة زوجي


في إطار اهتمامه المتواصل بقضايا الأشخاص في وضعية إعاقة، يصدر الأستاذ محمد مكاوي قصة قصيرة للأطفال بعنوان "القميص ذو الكم الواحد"، والتي تندرج ضمن سلسلة "انظروا لقدراتي ولا تنظروا لإعاقتي". تدور أحداث القصة حول الطفلة فاطمة التي ولدت دون ذراع، وكانت تتضايق من كمها الذي يتطاير في الهواء وهي تلعب، وتتساءل عن سبب اختلافها عن زملائها وزميلاتها في المدرسة، هذا الاختلاف الذي يسبب لها الحرج والعرقلة في حياتها اليومية، لهذا تطلب من والدها أن يبحث لها عن قميص بكم واحد لتتمكن من اللعب بحرية.

يشكل سفر الأب من أجل العمل مرحلة مهمة بالنسبة إلى فاطمة، خصوصا أنها كانت يتيمة الأم، وكانت تعتمد على أبيها في كل شيء، حيث تعرفت على الشابة آمال التي جاءت لكي تؤنسها خلال غياب الأب، وتكتشف فاطمة أن آمال تعيش حياتها بشكل طبيعي سواء داخل البيت أو في الجامعة رغم كونها مبتورة الذراع هي الأخرى. تعلمت فاطمة خلال هذه الفترة أن تعتمد على نفسها وتحب ذاتها وتتقبلها كما هي.

يهدف هذا العمل المتميز، إلى تغيير نظرة المجتمع للأشخاص في وضعية صعبة، وترسيخ قيم الاختلاف والتعايش من جهة، باعتبارهم جزءا من المجتمع ولهم دور يقومون به على قدم المساواة مع غيرهم، ومن جهة أخرى فإن وجود قصص من هذا النوع يساهم في تنمية الوعي بقضايا الإعاقة لدى الأطفال منذ المراحل الأولى من حياتهم.

وتجدر الإشارة إلى أن الاستاذ محمد المكاوي، إضافة جهوده  كمؤطر في مجال إدماج الأطفال في وضعية صعبة في التعليم، ومشاركته في إعداد بعض البحوث في هذا المجال، قام بإصدار مجموعة من الأغاني التي تهدف إلى التعريف بصعوبات التعلم التي يواجهها عدد من الأطفال.

23‏/01‏/2017

الأطفال ذوو الإعاقة في المغرب : أنين بلا صوت

الأطفال ذوو الإعاقة في المغرب :
 أنين بلا صوت 1

بقلم محمد مكاوي*


ما من مهمة أنبل من احترام المسؤولين لجميع الأطفال المغاربة، وذلك بغض النظر عن حسبهم ونسبهم ولونهم ودينهم ولغتهم وجنسهم وإعاقتهم. وما من رسالة أكمل من توفير فرص لينموا ويحيوا حياة كريمة متمتعين بحقوقهم الكاملة في الصحة والتربية والتعليم دونما أدنى تمييز؛ وما من عمل أرفع شأنا في الدول الديمقراطية من حماية الأطفال ذوي الإعاقة والمهمشين من كل أشكال الحرمان والعنف وسوء المعاملة والاستغلال، في السراء والضراء، وفي الشدة والرخاء، وفي العسر واليسر. سواء كانت الحكومة أو المعارضة من اليمين أو اليسار أو الوسط أو دون اتجاه.
وبكل تأكيد فإن الهيئات والجمعيات والمنظمات والمؤسسات التي تتعسف على حقوق هذه الفئة من المجتمع، وتتنكر لهم، وتتملص من مسؤولياتها وتعهداتها اتجاههم تحت أية ذريعة كانت، تقتضي الأعراف الديموقراطية متابعتهم ومحاسبتهم والضرب على أيديهم لأنهم يسعون للخراب، 
وبكل تأكيد كذلك فإن مباركة خطوات الإقصاء التي تطال الأطفال ذوي الإعاقة، والصمت على حقوقهم،أو التلاعب بها، أو تأخيرها لأجل غير مسمى. يندرج ضمن المتاجرة بالبؤس وبمصلحة الوطن. 
إن البلد الجدير بأطفاله؛ هو البلد الذي يستثمر في صحتهم وتربيتهم وتعليمهم جميعا دونما إهمال لأحد. هو البلد الذي تؤمن هيئاته وجمعياته ومنظماته ومؤسساته أن التمركز على الأطفال بمن فيهم ذوي الإعاقة، هو البوابة الكبيرة للتقدم والازدهار، والوسيلة الفعالة لاستئصال الهشاشة والفقر والأمية والمرض. و المدخل الحقيقي للتنمية المستدامة ولبناء المواطنة ولإشاعة روح التعاون والتضامن والتسامح، ولغرس كل القيم الإنسانية الجميلة. بل وتناضل في جميع المنابر السياسية والحزبية والنقابية والدينية بانتماء أو بدونه من أجل أن يكون الأطفال ذوي الإعاقة والمهمشين أصحاء، ويقظين، وأكفاء متعلمين، وقادرين على التطوير الذاتي.
 
ماهي مشكلات الخدمات الصحية للأطفال ذوي الإعاقة؟ و أين تتمظهر مشكلات الخدمات التربوية والتعليمية ؟ وماهي تجليات مظاهر العنف والاستغلال وسوء المعاملة ؟ وكيف السبيل إلى تجاوزها من أجل غد أفضل؟ 
I
. الأطفال ذوو الإعاقة وشح الخدمات الصحية. 
1.  الخدمات الصحية للأطفال ذوي الإعاقة
 إن اتفاقية الأشخاص التي صادق عليها المغرب والتصنيف الدولي حول تأدية الوظائف والعجز والصحة CIF) ) الذي يعتبر الإعاقة مسؤولية البيئة الاجتماعية حيث تكون عاملا ميسرا أو معيقا يسمح لنا باستخلاص بعض العوائق والصعوبات المرتبطة بالخدمات الصحية التي مازالت تحول دون اندماج الأطفال ذوي الإعاقة ومنها: 
1.1       قلة الأطر العاملة في مجال الإعاقة؛
يؤكد المتتبعون(1)بأن عدد الأطر الطبية والشبه طبية المتخصصة في الترويض الطبي وإعادة التأهيل والعاملة في وزارة الصحة يبلغ عددهم 8 أطباء مختصين في الطب الفيزيائي وإعادة التأهيل ، 305 اختصاصي في الترويض الوظيفي kinesitherapeutes،و42 اختصاصي في ترويض النطق و11 في تقويم البصر و47 في صنع آلات تقويم الأعضاء و7 مختصين في العلاج النفسي الحركي مع العلم أن بعض التخصصات غير موجودة مثل العلاج الوظيفي أو المهاراتي ¨ تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي 2012 احترام حقوق وإدماج الأشخاص ذوي الإعاقة 
ينضاف لذلك قلة الأطر المتخصصة سواء على المستوى الطبي في الأمراض العصبية للطفل أو الأمراض النفسية والعقلية أو التخصصات المرتبطة بإمكانيات التدخل المبكر؛ والتخصصات الشبه طبية كأخصائيي النطق والسمع والترويض الطبي وتقويم النطق، أو المعالجين الطبيعي، أو المختصين في التدليك الشبه طبي، أو في مجال الإرشاد والتأهيل النفسي ، أو الأخصائيين الاجتماعيين أو المتدخلين في التربية الوالدية
تنعكس قلة الأطر المتخصصة في مجال الإعاقة على الخدمات المقدمة للأطفال. ويزداد الأمر تعقيدا إذا علمنا أن التخصصات الطبية والسيكولوجية الحالية في الجامعات والمعاهد العليا قلما تخصص محاور مرتبطة بآليات التكفل بصحة الأطفال ذوي الإعاقة. ولا أدل على ذلك من كون الملفات والشواهد الطبية التي تقدم للحصول على بطاقة معاق أو للتسجيل في الأقسام المدمجة يؤشر عليها الأطباء بعبارات عامة لا دلالة فيها، مثلا: إعاقة ذهنية، أو طفل معاق، أو طفل لا يرى.... ومعظم التخصصات الشبه طبية تمارس داخل الجمعيات دون اعتراف بمصداقيتها. 
1-2
مشكلات ضعف كفاءة العاملين في مجال الإعاقة؛
الطبيعة لا تقبل الفراغ، لقد تم تعويض قلة التخصصات بالعديد من الموارد البشرية التي تعرف ضعفا كبيرا في مجال الكفاءة لتقديم خدمات الشبه طبية تتسم بالحد الأدنى من الجودة، علما أن هذا المجال نفسه ما تزال تعتريه العديد من المشكلات المرتبطة بتحديد مواصفاته. مما يعرض صحة وسلامة الكثير من الأطفال ذوي الإعاقة للخطر ويجعل الخدمات المقدمة في مثل هذه المراكز خدمات صورية. وقد يكتشف البعض متأخرا أن الخدمات الطبية أو الشبه طبية المقدمة لطفل ذي إعاقة لا فائدة من ورائها بل قد تنعكس على إمكانيات تأهيله من المتخصصين الأكفاء. 
1-3 مشكلات مرتبطة بصعوبة الوصول لأماكن تقديم الخدمات الصحية والشبه صحية؛ 
 
في كثير من الأحيان يتم توجيه الأطفال ذوي الإعاقة لمراكز متخصصة؛ يكون معظمها بعيدا عن المدينة التي ينتمي إليها، ينضاف لعامل البعد عن مراكز الخدمات المتخصصة عامل الفقر الوالدي، وحيث إن الخدمات الطبية المرتبطة بالإعاقة طويلة الأمد، يفضل الكثير من الآباء الاكتفاء بالمستوصفات القريبة. أو الاستعانة بالأولياء والشعودة قصد إنقاذ الطفل مما يعمق من إعاقته ويزيد من حدتها . وتفاقم بشكل أفضع عند الأطفال ذوي الإعاقة المتخلى عنهم الذين يئنون يوميا دون صوت وراء جدران إسمنتية سميكة.
1-4
مشكلات مرتبطة بسوء تعامل مقدمي الخدمات مع أسر الأطفال ذوي الإعاقة؛ 
يعامل الأطفال المنحدون من الأسر الفقيرة في بعض المراكز المكلفة بتقديم الخدمات بسوء. ولقد حكى لي أحد الآباء عن الاشمئزاز الذي عبر عنه أحد الأطباء حين تبول طفله المصاب بالصرع على سرير المستشفى فصرخ في وجه الأب ساخطا مما اضطر معه الأب ودون إرادة إلى حمل الطفل وإعادته دون فحص للمنزل ¨لن أنسى ذلك اليوم ما حييت، لقد صرخ الطبيب في وجهي وعبر عن اشمئزازه من بول ولدي اللاإرادي فرجوته أن لا يلمسه وأن يتركه يموت. ثم حملته دون أن أشعر وعيناي تفيضان دموعا وهو في نوبة صرع و غادرنا المستشفى عائدين به إلى البيت ¨ 
تحدث الكثير من المآسي الإنسانية لأمهات الأطفال ذوي الإعاقة  عندما يزرن المراكز الصحية لتتبع أطفالهم ذوي الإعاقة . 
1-5
مشكلات مرتبطة بضعف التمويل الخاص بالخدمات الصحية؛
كشف تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي(22) عن ¨كون المراكز العمومية لإعادة التأهيل لم تتطور إلا بشكل طفيف مند الستينات وأن العرض العمومي لخدمات إعادة التأهيل يعاني من عدة نقائص منها: عدم كفاية الموارد المالية وعدم التوازن في التغطية الترابية ¨. ويعتبر الأطفال ذوي الإعاقة من المتضررين بشكل مباشر من هذه الوضعية المزرية.
1-6 شكلات مرتبطة بأدوية الأطفال ذوي الإعاقة؛ 
ما أن تتسلم الأسرة وصفة الأدوية من الأطباء المتخصصين حتى تضطر لأن تجوب صيدليات المدينة والقرية بحثا عن الدواء.
تعرف الكثير من الأدوية المرتبطة بالأمراض العصبية النفاذ من السوق، و تضطر الأسرة لمعاودة زيارة الطبيب بعد موعد قد يدوم أكثر من ثلاثة أشهر عند عدم العثور على الأدوية، ينضاف لذلك الغلاء الفاحش وعدم فعالية بعضها في كثير من الحالات، ولا يمكن الاتصال بالطبيب قصد الاستشارة معه في حالة حدوث بعض الأعراض الجانبية. وفي حالة العودة لتحيين الوصفة يكون الطبيب المتتبع للطفل بدوره في رخصة أو في عطلة فيتم عرض الطفل على طبيب آخر ليتم استعمال أدوية أخرى. 
في بعض الحالات تضطر الأسر لاستعمال أدوية مجلوبة من الخارج؛ وعندما تستفسرعن الوسيلة، تستكشف أن وزارة الصحة ترخص فقط بجلب الدواء عن طريق منحك ورقة مختومة والباقي تتحمله الأسرة؛ 
1-7
مشكلات مرتبطة بتفييء الأطفال ذوي الإعاقة؛ 
يعاني العديد من الأطفال الذين يتمدرسون في الأقسام المدمجة وفي المراكز المختصة من عدم تحديد إعاقتهم ودرجتها بدقة. فهم بحسب الشواهد الطبية المسلمة للأسر؛ أطفال ذوي إعاقة فقط ، وفي بعض الأحيان تكون درجة إعاقة الطفل عميقة فيشهد الطبيب بكونها خفيفة والعكس صحيح كذلك. مما يصعب معه تحديد نوع الخدمات التربوية المناسبة لكل فئة من الأطفال ذوي الإعاقة. 
1-8
مشكلات مرتبطة بغلاء الأجهزة الطبية والشبه طبية والتعويضية وبصعوبة الحصول عليها؛ 
 يحتاج بعض الأطفال ذوي الإعاقة لأجهزة طبية أو أدوات تعويضية كالسماعات أو العكاكيز أو النظارات أو ما شاكل هذه الوسائل الضرورية لاندماجهم في الحياة. إلا أن الحصول على بعضها يدخل في باب المستحيلات عند أغلب الأسر الفقيرة؛ كالسماعات الطبية مثلا.
يتطلب الاستفادة من بعض الوسائل الشبه طبية من وزارة الأسرة والتضامن والعمل الاجتماعي الإدلاء بعدد كثير من الوثائق وانتظار اجتماع اللجنة وموافقتها ،والتوفر على المبلغ التكميلي الذي ينبغي أن يدفع نقدا للخزينة، وفي حالة ضياع الآلة المستفاد منها لسبب من الأسباب فإنه من غير الممكن الاستفادة مرة ثانية.
 
كما أن بعض الأدوات الشبه طبية تشتغل ببطاريات تتطلب بدورها مصاريف تكون عبئا على الأسر.
1-9 قلة المعلومات بمراكز الخدمات الطبية والشبه طبية؛
 
تكاد المعلومات المرتبطة بالخدمات الطبية والشبه طبية في المراكز العمومية تندر؛ بحيث يعد القليل من الناس من لهم علم بوجود خدمات في مجال الإعاقة، كما أن هذه المراكز نفسها غير معروفة في الكثير من المدن والقرى .
 
تلك إذن اللقطة الأولى لصورة مآسي أطفال لا ذنب لهم إلا كونهم مختلفين. وأسر تكابد في صمت؛ تصرخ حينا وتبكي أحيانا. ثم تنحني بكل عطف على أطفالها لتخبرهم على أنه مازال في وطننا أناس لايعرفون وجود أنين بلا صوت.
الرباط 2 دجنبر 2012 



محمد مكاوي مفتش تربوي وباحث في قضايا الاعاقة

10‏/01‏/2017

سلام لجبال الاطلس

سلام لجبال الاطلس

بقلم هاجر لمفضلي


سلام على الريح، على البرد
على منعرجات الطرقات
سلام للأحبة المنكسرة
رغم الألم تحب التعلق بالحياة
هذه أنا عابرة سبيل
تلقي على جبال الأطلس السلام
عناقي لكم سكان المكان
هنيئا لمن يعرف الحب قلبه
وتسكنه الأحلام
هنيئا لمن تبرق عيناه فرحا
وكل الصور حوله تبكي من الأحزان
كبد الطبيعة يهوى الجمال
رغم الألم، رغم سم المعاناة
هذه أنا عابرة سبيل
تلقي السلام
تهدي قبلات دافئة
رغم قسوة برد المكان
دثريني يا أرض، يا أقحوان الحياة
ألق بغطائك على جسدي العريان
فلا كسوة لي أمام هذا العناء
أستحي من ذاكرتي
من راحتي، و ليال الهناء
أستحي من وسادتي الناعمة
ومن فراشي الدافئ المشتهى
لا مرقد لنا
سوى قبور الأموات
لا كفن يستر الاجساد
ولا حتى العورات
جبال الاطلس يحملها الصغار
وتلهبها الشمس
فتحرق الأَكباد
سلام على الريح على البرد
على منعرجات الطرقات
سلام للأحبة المنكسرة
رغم الألم تحب الحياة.

15‏/11‏/2016

المجتمعات العربية بين الحكامة والتحكم


المجتمعات العربية بين الحكامة والتحكم

بقلم عمر الايبروكي*
 

الحكامة من المفاهيم التي دخلت مجالي السياسة والمجتمع،  وهي آلية لممارسة السلطة السياسية،  وتدبير شؤون المجتمع وموارده البشرية والمادية،  لتحسين نمط عيش المواطنين،  وتحقيق التنمية والرفاهية للجميع،  وبمشاركة الجميع. وينتمي مفهوم الحكامة،  إلى مجال العلوم الإنسانية المختلفة،  وبالضبط لعلمي الاقتصاد والسياسة،  ففي بعده السياسي يتجلى في طريقة ممارسة السلطة الحكومية، وفي بعده الاقتصادي يرتبط بتسيير المؤسسات الإنتاجية والمقاولات.

إنها من المفاهيم التي انطلقت من العالم الغربي المتقدم،  لتنتشر في العالم الثالث،  ضمن مجموعة من المفاهيم المواكبة لظاهرة العولمة.مفاهيم تنتمي إلى مرحلة ما بعد الحداثة، و التي برزت في خضم تحولات المجتمعات التي تسعى إلى البحث عن تحسين التدبير،  وترشيد الموارد،  وتسطير البرامج، مع السهر على تطبيقها وبلوغ أهدافها بتسخير كل الإمكانيات الطبيعية والبشرية المتوفرة. 

انطلاقا من دلالات هذا المفهوم ، كيف نشأ وترعرع في تربة العالم العربي ؟ 
تأتي ظروف نشأة مفهوم الحكامة في عالمنا العربي،  ضمن التحولات العالمية،  وسيطرة المؤسسات المالية،  والمنظمات الدولية غير الحكومية،  التي حاولت تسويق هذه المفاهيم،  كآلية جديدة لتوجيه الاقتصاد العالمي،  والتدخل المباشر في رسم خطط التنمية،  وتولي مهمة محاربة الفقر،  وتحسين وضعية السكان بعد أن عجزت الحكومات المحلية عن تحقيق تنمية مستدامة رغم مرور عقود من الزمن على استقلالها السياسي. وهكذا عملت بعض المنظمات المالية كالبنك الدولي،  وصندوق النقد الدولي على نشر،  أو فرض مفهوم الحكامة على دول العالم الثالث ومنها العالم العربي. وبتنسيق مع لجنة التنمية وضعت إستراتيجية لتشجيعه، ومحاربة الرشوة بإشراك المؤسسات الحكومية والمجتمع المدني لمحاربة الفقر. 
تبنت المجتمعات الغربية آلية الحكامة لتنظيم مؤسساتها، وتحقيق مجموعة من الأهداف الاقتصادية والسياسية خدمة للمواطنين.وتم تأطيرها بمجموعة من القوانين والقواعد التي توجه السلطة السياسية والاقتصادية. وهكذا صدر الكتاب الأبيض للحكامة الأوربية، وتبناه البرلمان الأوربي ليحدد إستراتيجية العمل السياسي والاقتصادي على ضوء خمسة مبادئ أساسية للحكامة الجيدة،  وهي: الانفتاح، المشاركة، المسؤولية، الفعالية، والانسجام. 

وتشكل هذه المبادئ الخمسة الحجر الاساس للحكومات في ممارسة السلطة السياسية، و للمؤسسات الانتاجية في كل نشاط اقتصادي لتحقيق غايات وأهداف محددة من شأنها أن ترفع من مستوى عيش المواطنين. وقد اجتهدت المنظمات الحكومية، و غير الحكومية في العالم الغربي، وساهمت الأبحاث الجامعية في وضع القواعد الإستراتيجية، وضبط الآليات،  لتحقق الحكامة أهدافها، وتبلغ غايتها.
و قبل الحديث عن تحقيق معايير الحكامة بالعالم العربي،  و مدى نجاح تبنيها،  لابد من تحديد شروط الحكامة كما تبنتها الدول المتقدمة،  و كما حددتها المنظمات الدوليةوفرضتها على دول العالم الثالث، وهذه الشروط هي: 

·               الديمقراطية،  وهي المناخ السليم الذي يضمن التسيير الرشيد. 
الكفأة.

·                النخبة السياسية المنتخبة،  والأطر الإدارية
-
المشاركة الجماعية للمؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني. 

·                القدرة على المحاسبة، والمساءلة لحماية الشأن العام من استغلال السياسيين. 
فكل تقييم للحكامة لا بد من توفير هذه الشروط،  وخلق المناخ السليم لممارستها،  وتأهيل الموارد البشرية ذات الكفاءة العالية،  وكل غياب لهذه المؤهلات يعني عدم القدرة على تحقيق الحكامة الجيدة. 

بالفعل فتجليات الحكامة في المجالات الاقتصادية والسياسية،  تكون مصحوبة بالقوانين الدقيقة،  والمساطر الإدارية البسيطة،  والقضاء المستقل الذي يلعب دوره في الحفاظ على الحقوق. وهذا ما يخلق المجتمع المنفتح إيجابيا على كل الفاعلين،  من أفراد ومؤسسات اقتصادية من مختلف الجنسيات للاستثمار،  وجلب رؤوس الأموال. 
فأين العالم العربي من كل هذه المبادئ والشروط و الآليات الضرورية للحكامة؟ 
في اعتقادي ما زال العالم العربي غريبا عن الحكامة السياسية والاقتصادية، بل هو اقرب للتحكم منه إلى الحكامة. فالقبيلة و الأسرة تلعبان الدور الأساسي في تملك السلطة والمال،  والاقتصاد تتحكم فيه آليات عتيقة،  وقواعد مبهمة لا تمت للعصر بصلة. ومن شأن ذلك أن يعطل التنمية الاقتصادية والبشرية،  ويباعد بيننا وبين الحكامة. والدولة في العالم العربي لم ترق بعد إلى مؤسسة ديموقراطىة تسيرها نخبة سياسية منتخبة لفترة محددة، وتعتمد الكفاءة لإسناد المهام، وتكون خاضعة للمحاسبة والقانون.

لعل الشرط الأساسي للحكامة،  هي الديمقراطية المبنية على الاختيار الحر والسليم للمواطن،  وتربيته على المسؤولية والأمانة ليساهم في تنمية مستدامة تتجلى في حسن تدبير الموارد الطبيعية،  واستفادة الجميع من الخيرات،  والعمل على المحافظة على البيئة للأجيال القادمة. فالديمقراطية أساس الحكامة الجيدة،  وتأهيل المواطن أمر ضروري ليساهم بدوره كاملا كمواطن صالح يفكر في المصلحة الجماعية،  ويتجرد من أنانياته الضيقة،  ويتحمل المسؤولية كغاية،  وليس كوسيلة للانتفاع الشخصي. 
وفي قراءة سريعة للنخب المسيرة في العالم العربي تجعلنا نستنتج انها تتشكل من عشائر و أسر وجماعات سياسية تشكل احزابا تسود وتتحكم في دواليب السياسة والاقتصاد،  وتجعل السلطة طريقا للإثراء واقتصاد الريع مقابل فئات عريضة من المجتمع تصارع من اجل البقاء.

وهذا معناه غياب الديمقراطية كشرط ضروري للحكامة لوجود عوائق ثقافية وسياسية أمام تحقيق الحكامة في العالم العربي،  منها ما هو سياسي يرتبط بعدم النضج الديمقراطي عند المواطن، و ما يترتب عن ذلك من مؤسسات عاجزة وبعيدة عن الحكامة الجيدة. ومنها ما هو ثقافي يتجلى في كون المجتمع العربي تخترقه بعض العلاقات العتيقة التي تتحكم في التدبير،  فهناك مؤسسات اقتصادية وسياسية تتحكم فيها العلاقات العائلية على مستوى التسيير. وما تزال المسؤوليات تسند بناء على القرابة والزبونية بدل الكفاءة، يضاف إلى ذلك أن مساهمة المرأة ضعيفة في اتخاذ القرارات في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، و في تسيير مؤسسات المجتمع.لأن غياب المرأة أو تغييبها عن المجالات الحيوية للمجتمع خلل في العلاقات الإنسانية الطبيعية، ولا يمكن الحديث عن الحكامة في وقتنا الراهن،  دون علاقات المساواة بين الجنسين. 

وفي الوقت الذي اعتقدنا أننا تجاوزنا هذا التمييز، أو أنه تقلص أو اختفى،  لاحظنا أنه يطفو على السطح بمثابة لاشعور جمعي يخترق كل المجالات الاقتصادية والسياسية. وهنا تكمن الهوة السحيقة بين خطاب الحداثة والديمقراطية،  وبين الممارسات العملية التي تنتمي الى زمن الأمر والطاعة. 

وقد عاشت المجتمعات العربية فترة الاستعمار،  وقدمت التضحيات بدافع الحماس الوطني، وهاجس الأمل في تحقيق الاستقلال السياسي و الاقتصادي، وضمان مستوى من العيش الكريم .وما وقع ان الآمال تبخرت ولم تستفد الا فئات اجتماعية محدودة، ومنها من كانت تتعامل مع قوى الاستعمار الذي حرص على استمراريتها و تزكيتها حفاظا على مصالحه الحيوية.وتميز العالم العربي باحتكار الثروات وتركيز السلطة داخل فئة ضيقة من التابعين وتابعي 
التابعين من المنتفعين، أمام سيطرة الحزب الواحد، او العائلة الواحدة، ان لم نقل الفرد الواحد،  وفي احسن الأحوال سمح بتاسيس احزاب وجمعيات المجتمع المدني لتاثيث المشهد السياسي. 

ان هذه التحولات التي يعيشها العالم العربي اليوم نتجت عن غياب المناخ السليم سياسيا واقتصاديا يسمح للمواطن بالمشاركة السياسية،  والمساهمة الارادية الحرة، وإبراز القدرات الابداعية،  واثبات الذات في كل المجالات.وبعد تضحيات الاجيال السابقة ، وعدم قدرتها عل التغيير بسبب تعدد الرؤى و صراع الايديولجيات ما بين يسارية/اشتراكية ويمينية/راسمالية، وبعد التحولات التي عرفها العالم،  توحدت التصورات، وتركزت الافكار حول تحقيق المجتمع الديموقراطي الذي ينعم الجميع بالمساواة في كنفه. 

و في انتظار ان يحقق الشباب العربي بعض آماله، فان المجتمعات العربية ما تزال الى اليوم بعيدة عن شروط الحكامة،  وان كانت من اكثر الشعوب استيرادا واستهلاكا لمثل هذه المفاهيم التي تحولت الى شعارات نظرية يتسابق الجميع على ترديدها حتى دون فهم جوهرها ومدلولاتها أحيانا.
 
 

*دكتور وأستاذ التعليم العالي تخصص علم الاجتماع


ملحوظة نشرت هذه المقالة بجريدة أخبار اليوم، بتاريخ 26 ماي 2011،عدد 454.وأيضا نشر في حساب الأستاذ عمر الايبروكي على الفايسبوك.

17‏/10‏/2016

قصيدة شعرية: سهاد الحب

سهاد الحب
بقلم هاجر لمفضلي


ألا يا صبح لا تنادينا
فليل الحب أروى مآسينا
وبدد الدمع عن مآقينا
طيب اللقاء في الليل ينسينا
ما خلفته سنين الهجر فينا
وارتشف حزن ماضينا
فصرنا ثملة على سكره تلاقينا
لا صحو بعده ما دام أقصى أمانينا
سأغفو طويلا فالنشوة ما تزال تحيينا
وتجعلنا لا نخشى شيئا فمن الدنيا قد سخينا
********
عند الظلمة أضأت بالحب ليالينا
وفتحت  له من الممرات ياسمينا
في معبد الحب لا شيء يذكر غير ما خلدته اللوعة فينا
وينتهي الكلام بيننا في ذهول ودهشة اللهفة فينا
أحبك جدا واعرف أن فيض حبي أنهارا سلسبيلا
وأني أحترق في شوق المقل قمطريرا
وأني على شفتيك أذوب كالشمع يقينا
أيا رجلا مزق أضلعي عشقا ولهيبا
بعيدا عن العقل والمنطق صرنا مجانينا
هذا الشوق قاسي الوصل يشعل الحرائق فينا
لا يبقى للقلوب صبر هكذا قدر ليالينا
وجع في الروح يشعله البعد يؤرق مآقينا
آه منك يا عشق تسطو كالملوك فلمن نشكو اللوعة فينا
جميع الحقوق محفوظة لــ مقالات نافعة 2015 ©